لماذا عدلت عن خطة الاغتيالات السياسية؟ |
| |
تأثير المماليك المغول ما زال يتحكم في أرواحنا!
لا نقدر أن نصنع كل شيء ... ولا نملك الخبرة لنصنعه!
فلسفة الثورة: حراس على طريق القافلة
وفكرت في اغتيال كثيرين.. وأضع نفسي موضع الحكم على أعمالهم، وعلى الأضرار التي ألحقتها بهذا الوطن، ثم أشفع ذلك كله بالحكم الذي يجب أن يصدر عليهم! | |
وعندما كنت افكر في موضوع الاغتيالات كانت في نفسي حيرة، تمتزج فيها عوامل متشابكة، عوامل من الوطنية ومن الدين ومن الرحمة ومن القسوة، ومن الإيمان ومن الشك، ومن العلم ومن الجهل.
ان كثيرين يقفون من الثورة موقف المتفرج الذي لا يعنيه من الأمر إلا مجرد انتظار نتيجة معركة يتصارع فيها طرفان لا تربطه بأي منهما علاقة
وفوجئت بالانانية بين اوساط الثوار!
كان المجتمع الأوروبي قد عاش تطوره بنظام، واجتاز الجسر بين عهد النهضة من أعقاب القرون الوسطى إلى القرن التاسع عشر خطوة خطوة، وتلاحقت مراحل التطور واحدة إثر الأخرى.
أما نحن فقد كان كل شيء مفاجئا. كنا نعيش داخل ستار من الفولاذ فانهار فجأة
ولقد ظللت مرة أحاول أن أتفهم عبارة كثيرا ما هتفت بها طفلا صغيرا حينما كنت أرى الطائرات في السماء. لقد كنت أصيح:
"يا عزيز يا عزيز... داهية تاخد الإنجليز" ولقد اكتشف فيما بعد اننا ورثنا هذه العبارة من أجدادنا على عهد المماليك ولم تكن يومها منصبة على الإنجليز وإنما حورناها نحن أو حورتها الرواسب الكامنة فينا والتي لم تتغير، وإن تغير اسم الظالم فقد كان أجدادنا يقولون: "يا رب يا متجلي... أهلك العثمانلي!" |
ما الذي نريد أن نصنعه؟ وما هو الطريق إليه؟
الحق أني في معظم الأحيان كنت أعرف الإجابة على السؤال الأول،وأخال أني لم أكن وحدي المتفرد بهذه المعرفة، وإنما كانت تلك المعرفة أملا نعقد عليه إجماع جيلنا كله.
أما الإجابة على السؤال الثاني ،طريقنا إلى هذا الذي نريد، فأنا أعترف أنها تغيرت في خيالي كما لم يتغير شيء آخر، وأكاد أعتقد أيضا أنها هي موضوع الخلاف الأكبر في هذا الجيل! | |
وما من شك اننا جميعا نحلم بمصر المتحررة القوية.. ذلك أمر ليس فيه خلاف بين مصري ومصري.
أما الطريق الى التحرر والقوة.. فتلك عقدة العقد في حياتنا.
ولقد واجهت تلك العقدة قبل 23 يوليو سنة 1952، وظللت أواجهها بعد ذلك كثيرا حتى اتضحت لي زوايا كثيرة كانت الظلال تسقط عليها فتخفيها، وبدت أمام بصيرتي آفاق كان الظلام الذي ساد وطننا قرونا طويلة يلفها فلا أراها!
ما هو؟
ولقد أحسست منذ انبثق الوعي في وجداني أن العمل الإيجابي يجب أن يكون طريقنا.. ولكن أي عمل!؟
ولقد تبدو كلمة العمل الإيجابي على الورق كافية لتحل المشكلة، ولكنها في الحياة، وفي الظروف العسيرة التي عاشها جيلنا، وفي المحن التي كانت تنشب أظفارها في مقدرات وطننا غير كافية!
وفي فترة من أيام حياتي كانت الحماسة هي العمل الإيجابي في تقديري.
ثم تغير مثلي الأعلى في العمل الإيجابي وأصبحت أرى انه لا يكفي أن تضج أعصابي وحدي بالحماسة وإنما علي أن أنقل حماستي كي تضج بها أعصاب الآخرين..
وفي تلك الأيام قدت مظاهرات في مدرسة النهضة، وصرخت من أعماقي بطلب الاستقلال التام، وصرخ ورائي كثيرون، ولكن صراخنا ضاع هباء وبددته الرياح أصداء واهنة لا تحرك الجبال ولا تحطم الصخور.
ثم اصبح العمل الإيجابي في رأيي أن يجتمع كل زعماء مصر ليتحدوا على كلمة واحدة وطافت جموعنا الهاتفة الثائرة ببيوتهم واحدا واحدا تطلب إليهم باسم شباب مصر أن يجتمعوا على كلمة واحدة... ولكن اتحادهم على كلمة واحدة، كان فجيعة لإيماني... فإن الكلمة الواحدة التي اجتمعوا عليها كانت معاهدة سنة 1936.
الرصاص يتكلم
وجاءت الحرب العالمية الثانية وما سبقها بقليل، على شبابنا فألهبته، وأشاعت النار في خلجاته، فبدأ اتجاهنا، اتجاه جيل بأكمله، يسير إلى العنف. وأعترف ،ولعل النائب العام لا يأخذني بهذا الاعتراف، ان الاغتيالات السياسية توهجت في خيالي المشتعل في تلك الفترة على انها العمل الإيجابي الذي لا مفر من الإقدام عليه إذا كان يجب أن ننقذ مستقبل وطننا!
وفكرت في اغتيال كثيرين وجدت أنهم العقبات التي تقف بين وطننا وبين مستقبله، ورحت أفند جرائمهم، وأضع نفسي موضع الحكم على أعمالهم، وعلى الأضرار التي ألحقتها بهذا الوطن، ثم أشفع ذلك كله بالحكم الذي يجب أن يصدر عليهم!
وفكرت في اغتيال الملك السابق وبعض رجاله الذين كانوا يعبثون بمقدساتنا.ولم أكن وحدي في هذا التفكير. ولما جلست مع غيري انتقل بنا التفكير إلى التدبير.
وما أكثر الخطط التي رسمتها في تلك الأيام، وما أكثر الليالي التي سهرتها، أعد العدة للأعمال الإيجابية المنتظرة.
كانت حياتنا في تلك الفترة كأنها قصة بوليسية مثيرة. كانت لنا أسرار هائلة، وكانت لنا رموز، وكنا نتستر بالظلام، وكنا نرص المسدسات بجوار القنابل، وكانت طلقات الرصاص هي الأمل الذي نحلم به!
وقمنا بمحاولات كثيرة في هذا الاتجاه، وما زلت أذكر حتى اليوم انفعالاتنا ومشاعرنا ونحن نندفع في الطريق إلى نهايته.
واحد يجب أن يذهب!
والحق أنني لم أكن في أعماقي مستريحا على تصور العنف على انه العمل الإيجابي الذي يتعين علينا أن ننقذ به مستقبل وطننا.
كانت في نفسي حيرة، تمتزج فيها عوامل متشابكة، عوامل من الوطنية ومن الدين ومن الرحمة ومن القسوة، ومن الإيمان ومن الشك، ومن العلم ومن الجهل.
ورويدا رويدا وجدت فكرة الاغتيالات السياسية التي توهجت في خيالي، تخبو جذوتها وتفقد قيمتها في قلبي كتحقيق للعمل الإيجابي المنتظر.
وأذكر ليلة حاسمة في مجرى أفكاري وأحلامي في هذا الاتجاه. كنا قد أعددنا العدة للعمل واخترنا واحدا قلنا أنه يجب أن يزول من الطريق. ودرسنا ظروف حياة هذا الواحد ووضعنا الخطة بالتفصيل. وكانت الخطة أن نطلق الرصاص عليه وهو عائد الى بيته في الليل.
ورتبنا فرقة الهجوم التي تتولى إطلاق النار، ورتبنا فرقة الحراسة التي تحمي فرقة الهجوم، ورتبنا فرقة تنظيم خطة الإفلات إلى النجاة بعد تنفيذ العملية بنجاح.
وجاءت الليلة الموعودة وخرجت بنفسي مع جماعات التنفيذ. وسار كل شيء طبقا لما تصورناه.
أصوات تطاردني
كان المسرح خاليا كما توقعنا وكانت الفرق في أماكنها التي حددت لها، وأقبل الواحد الذي كان يجب أن يزول وانطلق نحوه الرصاص. وانسحبت فرقة التنفيذ، وغطت انسحابها فرقة الحراسة وبدأت عملية الإفلات إلى النجاة، وأدرت محرك سيارتي وانطلقت أغادر المسرح الذي شهد عملنا الإيجابي الذي رتبناه.
وفجأة دوت في سمعي أصوات صريخ وعويل، ولولة امرأة، ورعب طفل، ثم استغاثة متصلة محمومة.
وكنت غارقا في مجموعة من الانفعالات الثائرة والسيارة تندفع بي بعيدا. ثم أدركت شيئا عجيبا، كانت الأصوات ما زالت تمزق سمعي. الصراخ والعويل والولولة والاستغاثة المحمومة. لقد كنت بعدت عن المسرح بأكثر مما يمكن أن يسري فيه الصوت، ومع ذلك بدأ ذلك كله كأنه يلاحقني ويطاردني.
ووصلت إلى بيتي واستلقيت على فراشي، وفي عقلي حمى، وفي قلبي وضميري غليان متصل. وكانت أصوات الصراخ والعويل والولولة والاستغاثة ما زالت تطرق سمعي!
خواطر في الليل
ولم أنم طول الليل. بقيت مستلقيا على فراشي في الظلام، أشعل سيجارة وراء سيجارة،وأسرح مع الخواطر الثائرة، ثم تتبدد كل خواطري على الأصوات التي تلاحقني.
أكنت على حق؟
وأقول لنفسي في يقين: "دوافعي كانت من اجل وطني"
أكانت تلك هي الوسيلة التي لا مفر منها؟
وأقول لنفسي في شك: "ماذا كان في استطاعتنا أن نفعل!؟
أيمكن حقا أن يتغير مستقبل بلدنا بعد أن خلصنا من هذا الواحد أو من واحد غيره، أم المسألة أعمق من هذا؟
وأقول لنفسي في حيرة: "أكاد أحس أن المسألة أعمق"!
إننا نحلم بمجد أمة، فما هو الأهم: أيمضي من يجب أن يمضي، أم يجيء من يجب أن يجيء.
وأقول لنفسي وإشعاعات من النور تتسرب بين الخواطر المزدحمة: "بل المهم أن يجيء من يجب أن يجيء.. إننا نحلم بمجد أمة... ويجب أن نبني هذا المجد. وأقول لنفسي وما زلت أتقلب في فراشي في الغرفة التي ملأها الدخان وتكاثفت فيها الانفعالات:
_وإذا؟
وأسمع هاتفا يرد علي:
_وإذا ماذا؟
وأقول لنفسي في يقين هذه المرة:
_إذا يجب أن يتغير طريقنا... ليس ذلك هو العمل الإيجابي الذي يجب أن نتجه إليه.. المسألة أعمق جذورا وأكثر خطورة وأبعد أغوارا!
وأحس براحة نفسية صافية، ولكن الصفاء ما يلبث أن تمزقه هو الآخر أصوات الصراخ والعويل والولولة والاستغاثة، تلك التي ما زالت أصداؤها ترن في أعماقي.
ووجدت نفسي أقول فجأة..."ليته لا يموت!"..
وكــان عجيبا أن يطلع علي الفجر، وأن أتمنى الحياة للواحد الذي تمنيت لــه الموت في المساء! وهرعت في لهفة إلى إحدى صحف الصباح.. وأسعدني أن الرجل الذي دبرت اغتياله... قد كتبت له النجاة!
البحث عن عمل!
ولكن تلك لم تكن المشكلة الأساسية.. وإنما المشكلة الأساسية... هي العثور على العمل الإيجابي!
ومنذ ذلك الوقت بدأ تفكيرنا الحقيقي في شيء أعمق جذورا وأكثر خطورة وأبعد أغوارا. وبدأنا نرسم الخطوط الأولى في الصورة التي تحققت مساء 23 يوليو، ثورة منبعثة من قلب الشعب حاملة أمانيه، مكملة لنفس الخطوات التي خطاها من قبل على طريق مستقبله.
ولقد بدأت هذا الحديث بسؤالين:
أولهما: ولكن ما الذي نريد أن نصنعه؟ والثاني: ما هو طريقنا إليه؟
وقلت أن الإجابة على هذا السؤال الأول أمل انعقد عليه إجماع جيلنا كله. أما السؤال الثاني ،طريقنا إلى الذي نريد أن نصنعه، فهو الذي أطلت فيه الكلام حتى وصلت الى 23 يوليو!
خطوة فقط!
ولكن هل كان الذي حدث يوم 23 يوليو هو كل ما نريد أن نصنعه!؟
المؤكد أن الجواب بالنفي فإن تلك لم تكن إلا الخطوة الأولى على الطريق. والحق أن فرحة النجاح في 23 يوليو لم تخدعني، ولم تصور لي أن الآمال قد تحققت، وأن الربيع قد جاء... بل لعل العكس هو الصحيح!
لقد كانت كل دقيقة تحمل إلي انتصار جديدا للثورة، تحمل إلي في نفس الوقت عبئا ضخما هائلا تلقيه بلا مبالاة فوق كتفي.
لقد قلت في الجزء الأول الذي نشرته من هذه الأحاديث: "اني كنت أتصور قبل 23 يوليو ان الأمة كلها متحفزة متأهبة، وانها لا تنتظر إلا طليعة تقتحم أمامها السور فتندفع الأمة وراءها صفوفا متراصة منتظمة زاحفة.
وقلت انني تصورت دورنا على أنه دور الطليعة وكنت أتصور انه لن يستغرق أكثر من بضع دقائق يلحق بنا بعدها زحف الصفوف المتراصة المنتظمة.
ورسمت أيضا في ذلك الجزء صورة للخلافات والفوضى والأحقاد والشهوات التي انطلقت من عقالها في تلك اللحظات، كل منها يحاول بأنانيته أن يستغل الثورة لتحقيق أهداف بعينها".
ولقد قلت، وسأظل أقول، أن تلك كانت أقسى مفاجأة في حياتي!
ولكني أشهد أنه كان يجب أن أتوقع أن يحدث الذي حدث. لم يكن يمكن أن نضغط على زر كهربائي فتتحقق أحلامنا. ولم يكن يمكن في غمضة عين أن تزول رواسب قرون ومخلفات أجيال.
ما أسهل أن يراق الدم!
ولقد كان من السهل وقتها ،وما زال سهلا حتى الآن، أن نريق دماء عشرة أو عشرين أو ثلاثين فنضع الرعب والخوف في كثير من النفوس المترددة ونرغمها على أن تبتلع شهواتها وأحقادها وأهواءها.
ولكن أي نتيجة كان يمكن أن يؤدي إليها مثل هذا العمل؟ ولقد كنت أرى ان الوسيلة لمواجهة أي مشكلة من المشاكل هو ردها إلى أصلها ومحاولة تتبع الينبوع الذي بدأت منه.
وكان من الظلم أن يفرض حكم الدم علينا دون ما نظر إلى الظروف التاريخية التي مر بها شعبنا والتي تركت في نفوسنا جميعا تلك الآثار وصنعت منا من نحن عليه الآن.
ولقد قلت مرة أني لا أريد أن أدعى لنفسي مقعد أستاذ التاريخ، فذلك آخر ما يجري إليه خيالي، وقلت اني أحاول محاولات تلميذ مبتدئ في التاريخ.
عودة إلى الماضي
لقد شاء لنا القدر أن نكون على مفرق الطرق من الدنيا. وكثيرا ما كنا معبرا للغزاة، ومطمعا للمغامرين ومرت بنا ظروف كثيرة يستحيل علينا أن نحلل العوامل الكامنة في نفوس شعبنا، إلا إذا وضعناها موضع الاعتبار.
وفي رأيي أنه لا يمكن إغفال تاريخ مصر الفرعوني، ثم تفاعل الروح اليوناني مع روحنا، ثم غزو الرومان، والفتح الإسلامي وموجات الهجرة العربية التي أعقبته.
وفي رأيي أيضا انه يجب التوقف طويلا عند الظروف التي مرت علينا في العصور الوسطى فإن تلك الظروف هي التي وصلت بنا إلى ما نحن عليه الآن. وإذا كانت الحروب الصليبية بداية فجر النهضة في أوروبا، فقد كانت بداية عهود الظلام على وطننا.
فلقد تحمل شعبنا وحده معظم أعباء الحروب الصليبية، وخرج بعدها فقيرا معدما، منهوك القوى. وفي نفس الوقت الذي هدته المعركة فيه، شاءت له الظروف أن يعاني الذل تحت سنابك خيول الطغاة القادمين من المغول. كانوا يجيئون إلى مصر عبيدا فيفتكون بأمرائهم ويصبحون هم الأمراء.
وكانوا يساقون إليها مماليك فلا تمضي عليهم فترة في البلد الطيب الوديع حتى يصبحون ملوكا. وأصبح الطغيان والظلم والخراب، طابع الحكم في مصر على عهدهم الذي عاشت مصر في مجاهله قرونا طويلة.
في تلك الفترة تحول وطننا إلى غابة تحكمها وحوش ضارية. كان المماليك يعتبرونها غنيمة سائغة، وكان الصراع الرهيب بينهم هو على نصيب كل منهم في الغنيمة.
وكانت أرواحنا، وثرواتنا، وأراضينا هي الغنيمة!
رواسب الماضي
وأحيانا عندما أعود إلى تقليب صفحات من تاريخنا أحس بالأسى يمزق نفسي إزاء تلك الفترة التي تكون فيها إقطاع طاغ لم يجعل له من عمل إلا مص دماء الحياة من عروقنا وأكثر من هذا سحب من هذه العروق بقايا الإحساس بالقوة والكرامة وترك في أعماق نفوسنا تأثيرا يتعين علينا أن نكافح طويلا لكي نتغلب عليه..
والواقع أن تصوري لهذا التأثير يعطيني في كثير من الأحيان تفسيرا لبعض المظاهر في حياتنا السياسية.
أحيانا مثلا يخيل إلي ان كثيرين يقفون من الثورة موقف المتفرج الذي لا يعنيه من الأمر إلا مجرد انتظار نتيجة معركة يتصارع فيها طرفان لا تربطه بأي منهما علاقة. وأحيانا أثور على هذا الوضع وأحيانا أقول لنفسي ولبعض زملائي:
"لماذا لا يقدمون، ولماذا لا يخرجون من المكامن التي وضعوا فيها أنفسهم ليتكلموا وليتحركوا؟" ولا أجد تفسيرا لهذا إلا رواسب حكم المماليك.
كان الأمراء يتصارعون، ويتطاحن فرسانهم في الشوارع، ويهرع الناس إلى بيوتهم يغلقونها عليهم بعيدين عن هذا الصراع الذي لا دخل لهم فيه. وأحيانا يخيل إلي اننا نلجأ إلى خيالنا نكلفه أن يحقق لنا في إطار الوهم ما نريده ونستمتع نحن بهذا الوهم ونقعد به عن محاولة تحقيقه.
ولم يتخلص كثيرون منا من هذا الشعور بعد، ولم يهضموا أن البلد بلدهم وأنهم سادته وأصحاب الرأي والأمر فيه. ولقد ظللت مرة أحاول أن أتفهم عبارة كثيرا ما هتفت بها طفلا صغيرا حينما كنت أرى الطائرات في السماء. لقد كنت أصيح:
"يا عزيز يا عزيز... داهية تاخد الإنجليز" ولقد اكتشف فيما بعد اننا ورثنا هذه العبارة من أجدادنا على عهد المماليك ولم تكن يومها منصبة على الإنجليز وإنما حورناها نحن أو حورتها الرواسب الكامنة فينا والتي لم تتغير، وإن تغير اسم الظالم فقد كان أجدادنا يقولون: "يا رب يا متجلي... أهلك العثمانلي!"
في مهب الرياح
وبنفس الروح التي لم تتغير جرى المعنى على لساننا وإن تغير اسم "الإنجليز" باسم العثمانيين طبقا للتغيرات السياسية التي توالت على مصر بين العهدين. ثم ماذا حدث لنا بعد عهد المماليك.
جاءت الحملة الفرنسية وتحطم الستار الحديدي الذي فرضه المغول علينا وتدفقت علينا أفكار جديدة وتفتحت لنا آفاق لم يكن لنا بها عهد.
وورثت أسرة محمد علي كل ظروف المماليك وإن حاولت أن تضع عليها من الملابس ما يناسب زي القرن التاسع عشر.
وبدا اتصالنا بأوروبا والعالم كله من جديد.
بدأت اليقظة الحديثة! وبدأت اليقظة بأزمة جديدة...!
لقد كنا في رأيي أشبه بمريض قضى زمنا في غرفة مغلقة، واشتدت الحرارة داخل الغرفة المغلقة حتى كادت أنفاس المريض تختنق.
وفجأة هبت عاصفة حطمت النوافذ والأبواب، وتدافعت تيارات الهواء الباردة تلسع جسد المريض الذي ما زال يتصبب عرقا. لقد كان في حاجة إلى نسمة هواء.. فانطلق عليه إعصار عات وأنشبت الحمى أظافرها في الجسد المنهوك القوى!
هذا هو ما حدث لمجتمعنا تماما وكانت تجربة محفوفة بالمخاطر!
كان المجتمع الأوروبي قد عاش تطوره بنظام، واجتاز الجسر بين عهد النهضة من أعقاب القرون الوسطى إلى القرن التاسع عشر خطوة خطوة، وتلاحقت مراحل التطور واحدة إثر الأخرى.
أما نحن فقد كان كل شيء مفاجئا. كنا نعيش داخل ستار من الفولاذ فانهار فجأة. كنا قد انقطعنا عن العالم واعتزلنا أحواله خصوصا بعد تحول التجارة مع الشرق إلى طريق رأس الرجاء الصالح فإذا نحن نصبح مطمع دول أوروبا ومعبرها إلى مستعمراتها في الشرق والجنوب.
وانطلقت علينا تيارات من الأفكار والآراء لم تكن المرحلة التي وصلنا إليها في تطورنا تؤهلنا لقبولها.
كانت أرواحنا ما زالت تعيش في إسار القرن الثالث عشر وإن سرت في نواحيها المختلفة مظاهر القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين. وكانت عقولنا تحاول أن تلحق بقافلة البشرية المتقدمة التي تخلفنا عنها خمسة قورن أو تزيد، وكان الشوط مضنيا والسباق مروعا ومخيفا.
مجتمع يتبلور!
وما من شك في أن هذا المجال هو المسؤول عن عدم وجود رأي عام قوي متحد في بلادنا، فإن الفارق بين الفرد والفرد كبير، والفارق بين الجيل والجيل شاسع.
ولقد جاء علي وقت كنت أشكو فيه من أن الناس لا يعرفون ماذا يريدون، وأن إجماعهم لا ينعقد على طريق واحد يسيرون فيه، ثم أدركت بعدها أنني أطلب المستحيل، وأنني أسقط من حسابي ظروف مجتمعنا...
إننا نعيش في مجتمع لم يتبلور بعد، وما زال يفور ويتحرك، ولم يهدأ حتى الآن أو يتخذ وضعه المستقر ويواصل تطوره التدريجي بعده مع باقي الشعوب التي سبقتنا على الطريق.
وأنا أعتقد دون أن أكون في ذلك متملقا لعواطف الناس أن شعبنا صنع معجزة، ولقد كان يمكن أن يضيع أي مجتمع تعرض لهذه الظروف التي تعرض لها مجتمعنا، وكان يمكن أن تجرفه هذه التيارات التي تدفقت علينا... ولكننا صمدنا للزلزال العنيف.
صحيح أننا كدنا نفقد توازننا في بعض الظروف، ولكننا بصفة عامة لم نقع على الأرض!
وأنا أنظر أحيانا إلى أسرة مصرية عادية من آلاف الأسر التي تعيش في العاصمة. الأب مثلا فلاح معمم من صميم الريف. والأم سيدة منحدرة من أصل تركي. وأبناء الأسرة في مدارس على النظام الإنجليزي. وفتياتها في مدارس على النظام الفرنسي.
كل هذا بين روح القرن الثالث عشر ومظاهر القرن العشرين. أنظر في هذا وأحس في أعماقي بفهم للحيرة التي نقاسيها وللتخبط الذي يفترسنا ثم أقول لنفسي:
_سوف يتبلور هذا المجتمع، و سوف يتماسك، وسوف يكون وحدة قوية متجانسة، إنما ينبغي أن نشد أعصابنا ونتحمل فترة الانتقال.
تلك إذا هي الأصول التي تحدرت منها أحوالنا اليوم، وهذه هي الينابيع التي تجري منها أزمتنا، فإذا أضفت إلى هذه الجذور الاجتماعية، ظروف الثورة الاقتصادية التي نعيشها، وظروف الثورة السياسية التي من أجلها طردنا فاروق ومن أجلها نريد تحرير بلادنا من أي جندي غريب، إذا أضفت هذا كله، لخرجنا بالأفق الواسع الذي نعمل فيه، والذي تهب عليه الرياح من كل ناحية، وتزمجر في جنباته العواصف الهوج، وتتوهج فيه البروق وتهدر الرعود، والذي قلت أنه من الظلم أن يفرض علينا حكم الدم فيه مع مراعاة كل هذه الظروف والملابسات.
وإذا ما هو الطريق؟ وما هو دورنا على هذا الطريق؟ أما الطريق فهو الحرية السياسية والاقتصادية. وأما دورنا فيه فدور الحراس فقط لا يزيد ولا ينقص.. الحراس لمدة معينة بالذات موقوتة بأجل.
وما أشبه شعبنا الآن بقافلة كان يجب أن تلزم طريقا معينا، وطال عليها الطريق وقابلتها المصاعب وانبرى لها اللصوص وقطاع الطرق وضللها السراب وتبعثرت القافلة، كل جماعة منها شردت في ناحية، وكل فرد مضر في اتجاه.
وما أشبه مهمتنا في هذا الوضع بدور الذي يمضي فيجمع الشاردين والتائهين ليضعهم على الطريق الصحيح ثم يتركهم يواصلون السير.
هذا هو دورنا ولا أتصور لنا دورا سواه.
ولو خطر لي أننا نستطيع أن نحل كل مشاكل وطننا لكنت واهما وأنا لا أحب أن أتعلق بالأوهام. إننا لا نملك القدرة على ذلك، ولا نملك الخبرة لنقوم به. إنما كل عملنا أن نحدد معالم الطريق كما قلت، وأن نجري وراء الشاردين فنعيدهم إلى حيث ينبغي أن يبدأوا المسير، وإن نلحق بالسائرين وراء السراب فنقنعهم بعبث الوهم الذي يجرون وراءه.
ولقد كنت مدركا من البداية أنها لن تكون مهمة سهلة، وكنت أعلم مقدما أنها ستكلفنا الكثير من شعبيتنا. لقد كان يجب أن نتكلم بصراحة وأن نخاطب عقول الناس، وكان الذين سبقونا قد تعودوا أن يعطوا الوهم،وأن يقولوا للناس ما يريد الناس أن يسمعوه!
وما أسهل الحديث إلى غرائز الناس وما أصعب الحديث إلى عقولهم. وغرائزنا جميعا واحدة، أما عقولنا فموضع الخلاف والتفاوت وكان ساسة مصر في الماضي من الذكاء بحيث أدركوا الحقيقة فاتجهوا إلى الغريزة يخاطبونها أما العقل فتركوه هائما على وجهه في الصحراء.
وكنا نستطيع أن نفعل نفس الشيء. كنا نستطيع أن نملأ أعصاب الناس بالكلمات الكبيرة التي لا تخرج عن حد الوهم والخيال أو ندفعهم وراء أعمال غير منظمة لم تعد لها العدة أو تتخذ لها أهبة أو كنا نستطيع أن نترك أصواتهم تبح كم كثرة هتافهم:
"يا عزيز يا عزيز... داهية تاخذ الإنجليز"
تماما كما كان أجدادنا تبح أصواتهم أيام المماليك من كثرة هتافهم: "يا رب يا متجلي.. أهلك العثمانلي"... وبعدها لا شيء!.
ولكن أكانت تلك مهمتنا التي شاءها لنا القدر! وما الذي كنا نستطيع أن نحققه فعلا إذا سرنا في هذا السبيل؟
ولقد قلت في الجزء الأول من هذا الحديث أن نجاح الثورة يتوقف على إدراكها لحقيقة الظروف التي تواجهها وقدرتها على الحركة السريعة، وأضيف اليوم إلى ذلك أنها يجب أن تتحرر من إسار الألفاظ البراقة وأن تقدم على ما تتصور أنه واجبها مهما كان الثمن من شعبيتها ومن الهتاف بحياتها والتصفيق لها!
وإلا فإننا نكون قد تخلينا عن أمانة الثورة وعن واجباتها.
آخر ساعة 16/9/1953 |