محاكمة شهدي عطية الشافعي:
من قمة الحياة إلى هاوية الليمان! |
| |
إن كان المتهم خريج جامعات مصر وفرنسا وإنجلترا، إلا أن التحاقه"بجامعة" الشيوعية، أودى به إلى الليمان!
حدث أخيرا أن شهدت محكمة جنايات مصر المحاكمة الثانية للشيوعي رقم "1" كما وصفته النيابة!.. | |
أما محاكمته الأولى فكانت عن تهمة تأسيس الخلايا الشيوعية في البلاد، وقد حكم عليه فيها بالأشغال الشاقة لمدة سبع سنوات. وكان ذلك في شهر يوليو عام 1949.
والتقينا بالأستاذ كمال توفيق، محامي المتهم، وحدثنا عن موكله فقال أنه نال ليسانس الآداب من جامعة فؤاد الأول، ودبلوم المعلمين العليا في عام 1931، وأرسلته الحكومة في بعثة إلى جامعات فرنسا وإنجلترا، فتخرج فيها وعاد ليشغل منصب مفتش اللغة الإنجليزية بوزارة المعارف..
وهنا قلنا له:
_إذا فمهمتك في الدفاع عنه ستكون هينة على ما نعتقد، فلا شك أن المحكمة ستقدر ظروف هذا الشاب المثقف.
وأجاب الأستاذ:
_بل على العكس، فإن النيابة تعتبر ثقافته هذه ظرفا مشددا، وتطالب على أساسه بتطبيق أقصى العقوبة، لأن هذه الثقافة الواسعة تعد خطرا كبيرا إذا استخدمت في نشر مبادئ الهدامة!
ودلف إلى قاعة المحكمة في هذه الأثناء شاب يرتدي ملابس السجن، وهو مقيد بالسلاسل والأغلال، ومن حوله قوة كبيرة من الحراس.. إنه في نحو الثامنة والثلاثين من عمره، نحيل الجسم، طويل القامة، ويضع على عينيه "نظارات" طبية، ويلف حول عنقه "كوفية" بيضاء رغم شدة القيظ.. وأشار المحامي إليه وقال لنا: "هذا هو شهدي عطية الشافعي، المتهم"
يطلب معاملته كقاتل!
وتقدمت نحوه، وما كاد يعرف شخصيتي حتى صافحني بحرارة وترحاب، فسألته:
_كيف يعاملونك في السجن؟!
_ معاملة شاذة قاسية.. إنني أقضي معظم ساعات اليوم مسجونا سجنا انفراديا في زنزانة ضيقة مظلمة، ويسمح لي في نصف ساعة فقط بالخروج إلى دورة المياه. وطالما طالبت بأن أعامل معاملة المذنبين في السجن فأخرج معهم إلى الجبل لأعمل في قطع الحجارة طوال اليوم، ولكنهم لم يوافقوا على تحقيق هذا الطلب..
وعقدت الجلسة برئاسة حسين طنطاوي بك، ووجه الرئيس إلى المتهم، تهمة ترويج المبادئ الهدامة في داخل البلاد كما واجه بها زميليه اللذين ضبطا معه في وكر الجريمة وهما "منير حسين خلف" الطالب بالخديوية الثانوية، و"محروس أحمد شحاتة" وهو من عمال النسيج، فأنكروها جميعا. |
الشهود!
ونودي على الشهود، وكانوا جميعا من ضباط البوليس الذين اشتركوا في مهاجمة وكر الجريمة وتفتيشه وضبط المتهمين الثلاثة فيه، وقد قرروا جميعا أنهم وصلتهم أنباء من مصادر سرية بأنه يوجد منزل في ناحية شبرا اتخذه "شهدي" مركزا لنشاطه الشيوعي فاستصدروا أمرا بتفتيشه، | |
والقبض على من فيه، وتوجهوا في ساعة مبكرة من صباح أحد أيام الصيف الماضي إلى المنزل المذكور وهاجموه فوجدوا فيه المتهمين، ووجدوا في كل غرفة منه كتبا ومنشورات شيوعية خطيرة تدعو إلى الثورة وقلب نظام الحكم، فجمعوها وقبضوا على المتهمين.
الدفاع
وطالب الدفاع ببراءة المتهم........................... الأول لا يجوز إعادة محاكمته على جريمة سبق الفصل فيها، إذ أنه سبق أن أدين بنفس التهمة، وما زال يقضي مدة العقوبة في الليمان،وبالنسبة للمتهمين الثاني والثالث فإنهما لا يعرفان شيئا عما كان يدور في المنزل، فأحدهما طالب جاء يستذكر دروسه عند صديق له، والثاني عامل كان يزور أحد أصدقائه أيضا.
ثم قال الدفاع إذا كان مجرد قراءة الكتب الشيوعية والبحث فيها يعد جريمة، فلماذا لا يحاكمون الدكتور زكي عبد المتعال بك وزير المالية، لقد كان يدرس الشيوعية وله مؤلف فيها.. ولماذا لا يحاكمون خطاب بك عضو مجلس الشيوخ وهو يحارب الرأسماليين بتحديد نظام الملكية!
وبعد سماع النيابة والدفاع قرر الرئيس رفع الجلسة للمداولة..
فرخة في قفص الاتهام!
وما كاد الحراس يخرجون بالمتهم الأول إلى قفص الاتهام انتظارا للحكم، حتى قابلته شقيقاته بالعناق الحار.. ومن طريف ما حدث أن إحدى شقيقاته وضعت في حجرة "فرخة محمرة" ليأكلها، فرفعها وهو يقول:
_ حاسبي على بدلة السجن أحسن تتبقع..!
ثم أخذ يأكل في تؤدة فاستحثته شقيقة أخرى على الأكل بسرعة قبل ضياع الوقت!
الحكم
وعادت الجلسة على الانعقاد للنطق بالحكم. وما كاد المتهمون يقفون أمام هيئة المحكمة حتى نطق الرئيس بالحكم وهو عدم جواز سماع الدعوى بالنسبة للمتهم الأول شهدي عطية الشافعي لسبق الفصل فيها، وحبس المتهم الثاني منير حسين خلف سنتين، وغرامة قدرها خمسون جنيها، وحبس المتهم الثالث محروس أحمد شحاتة ثلاث سنوات وغرامة قدرها خمسون جنيها أيضا.
الاثنين والدنيا 10/7/1950 |