الدخول الى صفحة الاعلانات
اسم المستخدم
كلمة المرور
 

دفاع سقراط عن نفسه

 
صدقوا أنيتوس أو لا تصدقوه.
برئوني أو لا تبرئوني
ولكن تأكدوا أنني لن أغير قط من مسلكي
ولو تعرضت ألف مرة للموت.
في الحق أيها السادة إنني لا أشعر بأن الأمر في حاجة إلى دفاع طويل لكي أبرئ نفسي من التهمة التي يتهمني بها "ميليتوس"، فحسبي ما قلته منذ لحظات، ولكنكم تعلمون حق العلم حقيقة ما قلت في طرف سابق من حديثي وهو أنني تعرضت لكثير من العداوة المرة، وهذا هو الذي سيفضي بي إلى الهلاك.
لن أغير موقفي ولو تعرضت للموت ألف مرة!
لن أغير موقفي ولو تعرضت للموت ألف مرة!
حقا إذا كان ثمة ما سيؤدي إلى هلاكي، فليس المسؤول عن ذلك "ميليتوس" أو "أنيتوس"، بل قالة السوء وحقد هذا العدد الكبير من الجمهور، فكلاهما أوديا من قبل بالكثير من الأبرياء. وفي ظني أنهما سيظلان يوديان بهم، فقد لا أكون أنا آخر ضحاياهما.
ورب قائل يقول :"أما تخجل يا سقراط من أنك قد سلكت في الحياة مسلكا يعرضك للخطر الحكم بإعدامك؟!"، ويحق لي أن أجيبه قائلا :"إنك لعلى خطأ أيها الصديق عندما تظن أن رجلا من ذوي الشأن يجب أن ينفق وقته في تدبر احتمالات الحياة والموت بدلا من أن ينفقه فيما ينبغي، وهو التأكد من أن ما يفعله حق أو باطل، وما إذا كان يتصرف تصرف الرجل الفاضل أم الرجل الشرير. ووفقا لرأيك يصبح أبطال "طروادة" مخلوقات شقية وخاصة ابن تيتس (البطل أخيل). وإنك لتذكر إلى أي حد استخف بالموت عندما قارنه بالتعرض للعار، حتى أنه عندما حذرته أمه الآلهة، وهو يتلهف على قتل هكتور، بألفاظ أذكر منها قولها :"يا بني إنك إذا ثأرت لقتل صديقك "باتروكليس" وقتلت هكتور فستموت أنت نفسك، فموت قد قدر بعد موت هكتور".
ولما سمع هذا التحذير استخف بالموت وبالخطر لأنه كان أشد خوفا من حياة حقيرة ومن أن يخفق في الثأر لأصدقائه، فقال :"فلأمت لساعتي. لأن أنتقم من الوغد خير عندي من أن أظل حيا إلى جوار السفن الحدباء أضحوكة وحملا عقيما فوق الأرض". فهل كان يبالي عندئذ بالموت أو الخطر.
إن حقيقة الأمر أيها الأثينيون هي أنه إذا وجد الإنسان في وضع اختاره بنفسه لأنه أشرف وضع، أو تنفيذا لأمر صدر إليه، فإن واجبه يقتضيه في رأيي أن يثبت عليه ويواجه المخاطر دون أن يعبأ بالموت أو بأي شيء آخر سوى العار.
ولو أنني فعلت غير ذلك أيها الأثينيون لكنت آثما، وإذا كنت قد ثبت في مكاني في بونيديا وآمفيبوليس وديليوم عندما أمرني أحد الرؤساء الذين انتخبتموهم بأن أقف ذلك الموقف، واستهدفت للموت، فكيف يمكن أن أهرب عندما يكلفني الله _وهذا هو اعتقادي بأن أحيا فيلسوفا وأن أسبر غور نفسي ونفوس الآخرين _نعم كيف يمكن أن أهرب من الموت أو من أي شيء آخر. وهذا حقا لو حدث لكان الجرم بعينه، وهذا ما لا يجوز عدلا أن أقدم من أجله للمحاكمة، وأن أتهم بعدم الإيمان بالآلهة لأنني سأكون عندئذ قد عصيت أوامرها التي تلقننا إياها بالوحي، خوفا من الموت ولاعتقدت أنني أعرف ما لا أعرفه.
ثم دعوني أنبئكم أيها السادة :"إن خوف الإنسان من الموت ليس إلا ضربا آخر من التفكير الذي يوحى للمرء بأنه حكيم في حين أنه ليس كذلك، وما هو إلا الظن بأن الإنسان يعلم ما ليس يعلمه، وذلك لأن أحدا لا يدري ما هو الموت، ولا يدري أهذا الموت ينطوي له على أكبر خير يمكن أيظفر به، ومع ذلك يخشاه الإنسان، وكأنه أكبر شر يمكن أن يصيبه. وكيف لا ندين هذا الجهل الذي يتمثل في اعتقادنا أننا نعرف ما لا نعرف. وربما كان هذا أيها القضاة هو ما أمتاز به عن معظم الآخرين وإذا كان لي أن أدعي أنني أسمى معرفة من أي فرد، فإنما يأتي ذلك من أنني لما كنت لا أعرف معرف كافية ما يحدث في العالم الآخر فإنني لا أتوهم أنني أعرف، وإنما أعرف على العكس أنه من الإثم والعار أن نرتكب الشر، وأن نعصي من هو خير منا إنسانا كان أم إلها. ومن ثم فإنني لا يمكن أن أوافق على شر أعرف أنه شر، خوفا من شيء أجهل أنه خير أو شر وأريد أن أتجنبه.
لن أسكت أبدا
والآن فلنفرض أنكم برأتموني ولم تصيخوا سمعا لأنيتوس الذي قال لكم :"لقد كان من الواجب إما أن لا يقدم إليكم سقراط وإما أن يعدم، ما دام قد قدم إليكم" ثم أضاف قائلا :"وذلك لأنه إذا برئ فإن أبناءكم الذين سيطبقون ما علمهم إياه لابد أن يضلوا ضلالا كاملا".
لنفرض أنكم ستقولون لي بالرغم من ذلك :"إننا لا نريد يا سقراط أن نصدق أنيتوس. وسوف نبرئك ولكن بشرط معين هو ألا تستمر في إنفاق وقتك في هذا التأمل والتفلسف. فإذا أصابك أحد فوجدك تعود إلى ما نهيت عنه، أعدمت". إن هذا الشرط أيها القضاة إذا أردتم أن تملوه على لتبرئوني، يحدوني إلى أن أقول لكم أيها الأثينيون :"إنني لمقر بفضلكم ومحب لكم، ولكنني لن أطيعكم بل سأطيع الإله. ولتعلموا أنه مادام في نفس يتردد، ومادمت قادرا، فإنني لن أمسك عن التفلسف وعن حثكم إلى الخير ووعظ كل من ألقاه منكم فأقول له كما اعتدت أن أقول :"ما هذا أيها الصديق العزيز؟ إنك أثيني، إنك مواطن في مدينة أكبر وأعظم شهرة من أية مدينة أخرى بعلمها وقوتها، ومع ذلك لا تخجل من أنك تقصر اهتمامك على ثروتك تنميها ما استطعت وعلى شهرتك ومكانتك، وأما عقلك، وأما الحقيقة، وإما روحك التي يجب أن ترقى بها دائما، فإنك لا تفكر في شيء من هذا ولا تعنى به".
وإذا اعترض أحد منكم وأكد أنه يهتم بما أشرت إليه، فلا تظنوا أنني سأتركه وأنصرف في الحال، لا بل سأسأله وأناقشه في عمق، وإذا لاح لي أنه مجرد من الفضيلة، فإنني عندئذ، ومهما يقل، سألومه لأنه يهمل أهم شيء بينما يحفل بالتوافه. وسوف يكون هذا مسلكي مع كل من ألقى. سواء أكان شابا أم شيخا، مواطنا أم أجنبيا، وبالأخص معكم أنتم مواطني،لأنكم أقرب الناس إلي رحما. ولتعلموا جيدا أن هذا هو ما تأمرني به الآلهة. وإنني لأرى أن المدينة لم يصبها قط خير أعظم من حماستي في تنفيذ هذا الأمر. إن مهمتي الوحيدة في الواقع هي أن أجول في الطرقات لأحثكم شيبا وشبابا على ألا تتحمسوا للعناية بأحسابكم وثرواتكم بقدر ما تتحمسون للعناية بأرواحكم لتصلوا بها إلى أقصى ما تستطيعون من خير. نعم، إن مهمتي هي أن أقول لكم إن الثروة لا تصنع الفضيلة، بل أن الثروة تأتي من الفضيلة كما يأتي كل ما هو خير للأفراد وللدولة. وإذا كان هذا الحديث هو الذي أفسد به الشباب فلابد أن يكون حديثا ضارا. وأما أن يدعي أحد أن هذا ليس هو حديثي للشباب فإنه عندئذ لا يكون إلا إفكا.
وعلى هذا أستطيع أن أقول لكم :"صدقوا أنيتوس أيها الأثينيون أو لا تصدقوه، برئوني أو لا تبرئوني، ولكن تأكدوا أنني لن أغير قط من مسلكي ولو تعرضت ألف مرة للموت".
والآن أيها الأثينيون لا تقاطعوني واستمروا فيما طلبت إليكم من الامتناع عن الضجيج مهما يكن قولي، ولتتفضلوا بالإصغاء إلي، وإني لمعتقد أنكم ستجدون نفعا فيما تسمعون.ولا ريب أن بعض ما سأقوله قد يثير لديكم رغبة في الاعتراض ولكني أرجوكم ألا تفعلوا.
وإني لأعلن أنكم إذا حكمتم علي بالموت وحقيقتي هي ما أوضحت لكم، فإنكم لا تسيئون بذلك إلي بقدر ما تسيئون إلى أنفسكم. وعندي أن ميليتوس وأنيتوس لا يستطيعان أن يسيئا إلي أدنى إساءة، وكيف يستطيعان؟ نعم إنه من الممكن لمدع أن يحصل على حكم بإعدامي، أو نفيي، أو حرماني من حقوقي المدنية، وربما ظن هو أو غيره أن مثل هذه العقوبات كوارث فادحة، ولكنني لا أرى هذا الرأي. وعندي أن ما يفعله الآن من محاولة إدانة شخص بغير حق يعد أسوأ من كل تلك العقوبات، ولهذا فإنني الآن لا أدافع عن نفسي كما قد يظن.. أبدا وإنما أدافع عنكم أنتم، وذلك لأنني أخشى إذا أدنتموني، أن تصبحوا آثمين لأنكم لم تقدروا ما أعطاكم الله التقدير الواجب.
اذكروا أنكم إذا أعدمتموني فلن تجدوا بسهولة رجلا آخر، وأنا أقول هذا وإن كان يبدو مضحكا، نعم لن تجدوا رجلا ناطت به العناية الإلهية أمركم لكي يستحثكم كما تستحث الذبابة حصانا أصيلا كبيرا لكنه رخوا بسبب ضخامته ذاتها، فهو في حاجة إلى أن يستثار. وهذه هي المهمة التي يلوح أن الآلهة قد ربطتني من أجلها بمدينتكم، وهذا هو السبب في أنني لا أكف عن حثكم وإثارتكم وتأنيب كل منكم وملاحقته في كل مكان من الصباح إلى المساء.
لن تجدوا نظيرا لي
نعم أيها القضاة، إنكم لن تجدوا في سهولة نظيرا لي. ولو أنكم أصغيتم إلى نصحي لاحتفظتم بي، وكل ما هنالك هو أنكم قد تفقدون الصبر كالنيام حين يوقظون. وعندئذ تدفعكم صورة الغضب إلى الاستماع لأنيتوس وتحكمون بإعدامي في نزق وعدم رؤية، ثم تقضون ما تبقى من حياتكم في النوم، وذلك ما لم تترفق بكم الآلهة فترسل إليكم من يحل محلي، وعلى أي حال ففي استطاعتكم أن توقنوا بأنني مرسل إلى المدينة من قبل الآلهة. ولتسألوا أنفسكم : هل في طاقة البشر أن يهمل رجل مثلي مصالحه الشخصية كافة، وأن يتحمل نتائجها منذ تلك السنين العديدة، كل ذلك لكي يتوفر للعناية بكم متخذا من كل منكم موقف الأب أو الأخ الأكبر ليحثه على أن يعمل ليصبح خيرا مما هو؟ ولو أنني كنت أجني من ذلك نفعا أو أقدم لكم نصائحي مقابل أجر لأمكن تفسير سلوكي، ولكنكم ترون بأنفسكم أن من يتهمونني _وإن كانوا لم يتورعوا عن أن يجمعوا ضدي كل هذه الاتهامات_ لم يجرؤا مع ذلك على أن يتقدموا بشاهد واحد ليشهد هنا بأنني تقاضيت أجرا أو طلبت شيئا. لماذا؟.. لأنني أقدم هنا بنفسي شاهدا يقطع بصدق ما أقول، وهذا الشاهد هو فقري.
ومع ذلك فإن هناك شيئا قد يبدو غريبا، ذلك أنني أنثر النصائح هنا وهناك لكل فرد على حدة وأتدخل في كل شيء تقريبا، ومع ذلك لا أجرؤ على أن أعمل علانية فأخطب الجمهور أو أقدم النصائح للمدينة.
إن ذلك يرجع _كما سبق أن حدثتكم مرارا وفي أكثر من مناسبة_ إلى أنني موضع اختبار إلهي يلقنني وحيا أعلى، وهذا هو ما اتخذه ميليتوس موضعا لاتهامي مع السخرية مني، وإنه لشيء ابتدأ منذ طفولتي المبكرة وصوت حين أسمعه أنصرف دائما عما كنت بسبيله، ولكنه لا يدفعني إلى العمل. وهذا هو ما يمنعني من التدخل في الشؤون العامة. ومع ذلك فإنني أعتقد أنه عائق خير، ولتعلموا أيها الأثينيون أنني لو كنت تدخلت في السياسة، لكنت قد مت منذ زمن طويل وبذلك لن يفوت على أن أنفعكم أو أنفع نفسي. آه.. لا تغضبوا إذا سمعتموني أقول بعض الحقائق. إن أي إنسان لا يستطيع أن يتجنب الهلاك، إذا صدر عن شيء من الجرأة الخيرة في معارضتكم أو معارضة أي جمعية شعبية أخرى أو حاول أن يمنع في مدينته الظلم أو عدم المساواة.
واجبكم أن تعولوني
إنني لم أحي قط حياة عادية هادئة، ولم أهتم قط بما يهتم به سواد الناس كجمع ثروة ومنزل مريح وشغل منصب حربي أو مدني كبير وما شاكل ذلك من المراكز السياسية والجمعيات السرية والتنظيمات الحزبية التي تغص بها مدينتنا، وإنني لمتزمت في مبادئي إلى حد يدفعني إلى الإيمان بأنني لابد هالك إذا زججت بنفسي في مثل هذه الأمور. وبدلا من أن أحيا حياة لا أرى فيها نفعا لكم أولي، خصصت نفسي لخدمة كل منكم على حدة حتى أقدم له ما أعتقد أنه أعظم خير ممكن. وهو أن أحاول إقناعه بأن يعتني بما يملك أقل من اعتنائه بشخصه لكي يصبح أسمى ما يستطيع امتيازا وتعقلا، وأن يفكر في أمور المدينة أقل مما يفكر في المدينة ذاتها، وعلى الجملة يطبق على كل شيء هذه المبادئ نفسها. وإني لأتساءل :ماذا أستحق بسبب هذا السلوك؟ أستحق أيها الأثينيون معاملة طيبة إذا أردنا أن نكون عادلين، وأنا أجدر الناس بحسن المعاملة. وإني لأتساءل :ما الذي يلائم رجلا مصلحا فقيرا يحتاج إلى فراغ من الوقت لكي يستحثكم على الخير؟ لا شيء يلائم هذا الرجل أكثر من أن تعوله الدولة على نفقتها. وإن مثل هذه المعاملة لتلائمه أكثر مما تلائم واحدا منكم فاز في الألعاب الأولمبية بفضل حصان أو عربة ذات حصانين أو أربعة. فمثل هذا الفائز يجلب لكم سعادة ظاهرة، وأنا آتيكم بسعادة حقة، ثم هو ليس في حاجة إلى من يعوله وأنا في حاجة إلى هذا. ومن ثم فإنكم إذا أردتم في عقابي أن تعاملوني بالعدل ووفقا لما أستحق، فإن هذا هو ما يجب أن تفعلوه، أعني أن تعولوني على نفقة الدولة.
قد تظنون أن في هذا الحديث كما كان في حديثي السابق _عن الإثارة العاطفية وعن الضراعة_ شيئا من الوقاحة. لا، أيها الأثينيون، إن هذا لا صحة له إطلاقا وهاهي ذي جلية الأمر.. إنني متأكد من أنني لا أسيء إلى أحد عن عمد، كل ما هنالك هو أنني لا أنجح في إقناعكم. ولم يكن لدينا الوقت الكافي لكي نتفاهم. آه حبذا لو كان من المقرر عندنا، كما هو مقرر عند الآخرين، ألا ننتهي قط من محاكمة كبيرة في يوم واحد، بل نتركها تستغرق جلسات عدة فعندئذ كنت أستطيع _فيما أعتقد_ أن أقنعكم. وأما الآن وفي هذا الوقت البالغ الضيق، فكيف أبدد دعاوى في مثل هذه الضخامة؟
ولما كنت متأكدا من أنني لم أسئ إلى أحد، فإنني لا أريد قط أن أسيء إلى نفسي، ولذلك لا يمكن أعلن أن من العدل أن يساء إلي، ولن أقترح أن يوقع علي العقاب. ومع ذلك ما الذي أخشاه؟ أن يحل بي ما اقترحه ميليتوس... ولكنني أخبرتكم منذ لحظات أنني لا أدري أهذا الذي يقترحه خير أم شر، فهل علي إذا أن أفضل ما أعرف أنه شر وأن أدين به نفسي؟ السجن؟ ولماذا أعيش في السجن عبدا لأولئك الذين سيتناوبون على حراستي، عبدا للحراس الأحد عشر؟... غرامة يشترط معها أن ظل حبيسا حتى أن دفعها، وبذلك يستوي الأمر، لأنني كما سبق أن قلت لا أملك وسائل الدفع. فهل أقترح النفي إذا؟ ربما قبلتم ولكن لابد أن أكون حتما شديد الولع بالحياة إذا منعني النزق من أن أقرر أنه إذا كنتم، وأنتم مواطني، لم تستطيعوا أن تحتملوا أحاديثي وأقوالي التي ضايقتكم وأثارتكم إلى حد أن أخذتم الآن تسعون للتخلص منها، فهل من الممكن أن يتحملها الآخرون في سهولة؟... هذا أمر بعيد أيها الأثينيون، يالها من حياة رائعة بالنسبة لرجل في سني، تلك التي أرحل فيها عن بلدي وأنتقل من مدينة إلى أخرى وأطرد من كل مكان.. ذلك لأنني على ثقة من أن الشبان سيخفون للاستماع إلي في أي بلد أذهب إليه كما يفعلون هنا. فإذا أقصيتهم، فإنهم هم الذين سيطردونني بعد إقناع مواطنيهم الأكبر سنا، وإذا لم أقصهم فإن آبائهم وأقاربهم هم الذين سيطردونني بسببهم.
العقوبة التي أقترحها
وربما قال قائل :ما هذا يا سقراط؟ أو ما تستطيع بعد أن تتخلص من وجودك أو أن تعيش ساكنا بدون مناقشات؟ هذا في الحق هو أشق شيء أستطيع أن أحمل بعضكم على فهمه. فلو أنني قلت لكم إن في هذا معصية للإله، وإنني على ذلك لا أستطيع أن أحجم عنه لما صدقتموني ولظننتم أنني أتهكم.. ولو أنني قلت من جهة أخرى إن أكبر خير يمكن أن يصيب الإنسان هو أن يتحدث كل يوم عن الفضيلة أو عن الموضوعات الأخرى التي تسمعونني أتحدث عنها عندما أمتحن الآخرين أو أمتحن نفسي، وأن حياة بغير امتحان لا يستحق أن يحياها الإنسان.. لو أنني قلت ذلك أيضا لكنتم أقل تصديقا، ومع ذلك فهذه أيها القضاة هي الحقيقة وإن لم يكن من السهل أن أحملكم على التسليم بها. وأنا من ناحيتي لم أتعود أن أرى نفسي جديرا بهذه العقوبة.
ومع ذلك فلو كان لدي مال لاقترحت أن أدفع غرامة أستطيع أن أفي بها، لأن هذا لن يضرني في شيء، ولكن ما العمل ولا مال لي؟ هذا إلا إذا رأيتم تقدير غرامة تتناسب مع قدرتي على الدفع، وربما استطعت أن أدفع خمسة جنيهات، فلتكن إذا خمسة جنيهات، وهذا هو ما أقترحه.
( وهنا قضى المحلفون بعقوبة الإعدام )
وهكذا أيها الأثينيون يؤدي بكم نفاذ الصبر إلى تمكين الذين يريدون تشويه سمعة مدينتنا من أن يتهموكم وأن يسيئوا إلى سمعتكم، لأنكم أعدمتم "سقراط" المشهور بحكمته، فسيقولون إنني كنت حكيما ولو لم أكن كذلك،مدفوعين في هذا القول بلذة الإساءة إليكم مع أنه ليس عليكم أن تنتظروا طويلا، فإن طبيعة الأمور كفيلة أن تحقق ما تريدون، فأنتم ترون سني التي تقدمت بي حتى اقتربت من النهاية. إن ما أقوله الآن، لا أوجهه إليكم جميعا، بل إلى أولئك الذين قضوا بإعدامي فحسب.
وأمر آخر أريد أن أقوله.. قد تظنون أيها الأثينيون أنني أدني بسبب عدم المهارة في الدفاع عن نفسي دفاعا كان من الممكن أن يقنعكم، لو أنني رأيت من الواجب أن أقول كل شيء، أو أن أفعل كل شيء في سبيل أن أنجو من الحكم. كلا. ما أبعد هذا عن الحق، فإن ما أعوزني للحكم ببراءتي لم يكن الحجج، وإنما كانت الجرأة والوقاحة والرغبة في أن أسمعكم ما يطيب لكم، كأن تروا سقراط وهو يبكي وينتحب ويقول أشياء ويأتي بأخرى لا أراها جديرة بي مما اعتدتم سماعه من المتهمين الآخرين.
كلا، فأنا لم أسلم من هنيهة بأن من حقي لكي أنجو من الموت أن أفعل ما قد يعد جبنا، ولا آسف لأني سلكت في الدفاع هذه السبيل.
أوثر أن أموت
آه إني لأوثر أن أموت بعد مثل ذلك الدفاع على أن أحيا وقد دفعت ثمنا باهظا. وما ينبغي لأحد، سواء أنا أو غيري، في المحكمة أوفي الحرب، أن يحاول الإفلات من الموت بأية وسيلة كانت. وكثيرا ما استطاع الإنسان أن يبقي على حياته في المعارك بأن يلقي سلاحه طالبا الرحمة من العدو الذي يلاحقه، وكذلك الشأن في المخاطر الأخرى كافة، فهناك وسائل كثيرة للنجاة من الموت إذا ارتضى الإنسان لنفسه أن يفعل كل شيء، وأن يقول كل شيء، لكن هناك أمرا يجب أن نفطن إليه أيها القضاة، وهو أن الصعوبة ليست في أن نتجنب الموت بل في أن نتجنب عمل السوء، فالشر يجري من وراءنا بسرعة أكبر من سرعة الموت. وفي هذا ما يفسر لكم كيف أنني، وأنا الشيخ الفاني، قد أدركني أبطأ الأمرين. ومن يتهمونني، وهم الأقوياء الخفاف، قد أدركهم أسرعهما وهو الشر. وهكذا سوف نخرج من هنا، وقد حكمتم علي أنا باستحقاق الموت، وحكمت آلهة الحق عليهم بالتضليل والظلم، وإني لراض بالحكم الذي كان من نصيبي كما هم راضون. والذي لاشك فيه أن الأمور قد سارت سيرها المحتوم، وأن ما حدث كان من الواجب أن يحدث.
أيها القضاة :ينبغي لكم أن تنظروا إلى الموت بالسكينة التي أنظر بها إليه، مادمتم تعلمون أنه لا شر يمكن أن يصيب فاعل الخير في هذه المدينة أو غيرها، في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى، وأن الآلهة لا تتركه لنفسه ومصيره. وعندي أن مصيري لم يتحدد بمحض المصادفة، كلا فإن من الواضح لدي أنه كان خيرا لن أن أموت الآن، وأن أتخلص بذلك من كل متاعبي، ولكنني لم أفعل ولهذا لم يوقفني وحي نفسي الداخلي، ولهذا أيضا لا أشعر بأي حقد نحو من أدانوني أو من اتهموني، وإن من لم يكن من الحق أنهم قد كانوا يرجون شيئا آخر عندما أدانوني واتهموني، إذ كانوا يعتقدون أنهم بذلك يسيئون إلي، وهم في هذا يستحقون اللوم.
ومع ذلك فأنا لا أطلب منكم إلا شيئا واحدا، أيها الأثينيون، وهو أن تعاقبوا أبنائي عندما يكبرون بتأنيبهم كما كنت أؤنبكم إذا لاح لكم أنهم يهتمون أقل اهتمام بالمال أو بأي شيء آخر أكثر من اهتمامهم بالفضيلة، وإذا ادعوا فضلا لا يملكونه، أنبوهم كما كنت أؤنبكم وآخذوهم بإهمال ما هو جوهري وبانتحال فضيلة لا يملكونها، إنكم _لو فعلتم ذلك_ كنتم منصفين لي ولأبنائي.
ولكن هاهي ذي ساعة الرحيل. أنا إلى الموت وأنتم إلى الحياة. أما أي المصيرين أفضل: مصيري أم مصيركم؟ فهذا لا يعلمه إلا الله.
أفلاطون (أيام سقراط الأخيرة)
كتاب "الحرية الكرامة الإنسانية"
جمع الأستاذ محمد زكي عبد القادر.
 
محتوى المقال
عنوان
الكل
 
 
 
 
Programmed By : TheBlackLily  
|
|
|
|